القاضي التنوخي
39
الفرج بعد الشدة
ثمّ قال : هذا كتاب أمير المؤمنين يأمرني بالمصير إلى بابه ، ولست أقيم بعد نظري فيه لحظة واحدة : وقال لغلمانه ، وأولاده : [ 59 ر ] استوصوا بمن ورائي من الحرم خيرا ، وما بي حاجة أن يصحبني غلام ، هات أقيادك يا منارة . فدعوت بها ، وكانت في سفط ، فأحضر حدّادا ، ومدّ ساقيه ، فقيّدته ، وأمرت غلماني بحمله حتّى حصل في المحمل ، وركبت في الشقّ الآخر ، وسرت من وقتي ، ولم ألق أمير البلد ، ولا غيره . وسرت بالرّجل ، ليس معه أحد ، إلى أن صرنا بظاهر دمشق ، فابتدأ يحدّثني بانبساط ، حتّى انتهينا إلى بستان حسن في الغوطة ، فقال : ترى هذا ؟ فقلت : نعم . قال : هو لي ، وفيه من غرائب الأشجار كيت وكيت ، ثمّ انتهى إلى آخر ، فقال مثل ذلك ، ثمّ انتهى إلى مزارع حسان ، وقرى سريّة ، فأقبل يقول : هذا لي ، ويصف كلّ شيء فيها . فاشتدّ غيظي منه ، فقلت له : هل علمت أنّي شديد التعجّب منك ؟ قال : ولم ؟ قلت : ألست تعلم أنّ أمير المؤمنين قد أهمّه أمرك ، حتّى أرسل إليك من انتزعك من بين أهلك ، وولدك ، ومالك ، وأخرجك عن جميع حالك ، وحيدا ، فريدا ، مقيّدا ، لا تدري ما يصير إليه أمرك ، ولا كيف تكون ، وأنت مع هذا ، فارغ القلب ، تصف بساتينك وضياعك ، [ هذا وقد رأيتك ، وقد جئت ، وأنت لا تعلم فيم جئت ، وأنت ] 10 ساكن القلب ، قليل الفكر ، وقد كنت عندي شيخا عاقلا . فقال مجيبا لي : إنّا للّه وإنّا إليه راجعون ، أخطأت فراستي فيك يا منارة ، قدّرتك رجلا كامل العقل ، وأنّك ما حللت من الخلفاء هذا المحلّ ، إلّا بعد أن